ريمان لغير المغفلين
إعداد: بروس دايريكتر
الحلقة الأولى
من أكثر الأمور التي تدلل بوضوح على نقص القدرة الإدراكية لدى جيل 68 ( Baby Boomers ) و الأجيال اللاحقة، هو انتشار كتب "كيف تتعلم... في ... أيام" تحت العنوان المغري "..... للمغفلين" ( X for Dummies ). هذه الكتب نشأت مثلها مثل النزعات الأكثر تدميرا في نهاية القرن العشرين في عالم صناعة المعلومات والترفيه المبنية على الكمبيوتر. وقد قام كبار كهنة المعلومات مدفوعين بالرغبة العارمة في زيادة أسعار الأسهم باصطياد الأعداد المتزايدة من الأنفس الضالة التائهة عن طريق توضيح التفاصيل المعقدة لبرامج الكمبيوتر باستخدام لغة الأطفال والصور، حتى يتمكن "المغفلون" من فهمها. هذا الترويج للجهل انتشر كالنار في الهشيم بتزايد أعداد الحمقى المقبلين الذين يصفون أنفسهم "بالمغفلين" بكل شغف. أسفرت محاولة بحث مؤخرا في موقع شركة الكتب أمازون دوت كوم عن إيجاد 714 كتابا تحت هذا العنوان، تتنوع مواضيعها من "برنامج ويندوز 98 للمغفلين" و "الانترنيت للمغفلين" إلى "تعليم الاستثمار للمغفلين" و "شراء السيارات للمغفلين" و "تعلم الطبخ للمغفلين" و "تعلم الموسيقى الكلاسيكية للمغفلين" و "ممارسة الجنس للمغفلين" و "تعلم قيادة المجتمع للمغفلين: نسخة مختصرة" (هذه ليست مزحة بل حقيقة، ويمكنك البحث عن كلمة ( dummies ) في الانترنيت بنفسك لترى النتيجة). قريبا قد تقوم الكليات الطبية تحت ضغط شركات الرعاية الصحية الربحية بتبني برامج تدريب للأطباء من نفس النمط. فبدلا من تدريب الأطباء بكفاءات وخبرات عالية، سيتم تدريب "موفري الرعاية الطبية" في طرق "تعلم جراحة الدماغ بشكل مبسط" و "تعلم جراحة القلب في ثلاثة خطوات".
بطبيعة الحال ليس هناك من جديد في الأمر. قبل 500 عام كان ربيب باولو ساربي ( Paolo Sarpi )، جاليليو وراء حيلة مماثلة هدفها ضرب عصر النهضة، عن طريق تقديم سلسلة "علوم للمغفلين"، أساسها التعليمي هو أن الكون يمكن جعله أكثر بساطة إذا أبعدنا عقل الإنسان. ومنذ ذلك الحين أغوى أتباع ساربي مثل نيوتن ( Newton) وأويلر ( Euler ) وكرونيكر ( Kronecker ) إلى جون فون نويمان ( von Neumann ) العديد من الأشخاص الأذكياء نوعا ما للابتعاد عن العلم الصادق لكن الصعب لمؤسسيه أفلاطون وكوزانوس وكيبلر وفيرما ولايبنتز وكيستنر وجاوس وريمان، ودعوهم إلى التوجه نحو عالم مبسط خالي من العقل، ذلك هو "الكون للمغفلين".
والآن طالما أن مستقبل الحضارة سيعتمد على انخفاض جاذبية الغباء، فإننا سوف نقدم من حين لآخر في الفترة القادمة سلسلة من المناقشات التربوية حول الموضوع المذكور في العنوان أعلاه "ريمان لغير المغفلين ". هذا البحث سوف يأخذنا عبر عملية نشوء ما يعرف بنظرية الدوال لجاوس ( Carl Friedrich Gauss ) وريمان ( Bernhard Riemann ). وبينما تنتشر أعداد كبيرة من البحوث الرياضية الشكلية لهذا الموضوع، في أشكالها المناسبة لكبار كهنة علوم الرياضيات والحاسوب وأيضا في شكلها الموجه بشكل خاص "للمغفلين"، لكن تفتقر كل هذه البحوث تقريبا لأي فهم حقيقي لطريقة التفكير التي بنيت على أساسها اكتشافات جاوس وريمان. من وجهة نظرنا سيكون من المناسب أكثر أن نصف نظرية الدوال لجاوس وريمان كعلم مجازي وليس كعلم رياضي شكلي. وطالما كان الأمر كذلك، فإننا سنتجنب افتتاح بحثنا بإيجاد تعريف شكلي لمصطلح الدالة، مفضلين ترك مثل هذه الأمور غير معلنة حتى يتمكن القارئ من بناء مفهوم بدلا من حفظ تعريف.
لقد تم في الواقع طمس حقيقة أن جذور نظرية الدوال لجاوس وريمان تمتد من العلم الثوري ليوهانيس كيبلر ( Johannes Kepler ) إلى درجة أن الكثيرين لا يدركون ذلك بالرغم من أنه قد يتم الاعتراف بتلك الحقيقة بين حين وآخر بشكل ضمني. لهذا السبب سيكون لزاما علينا أن نعيد التذكير ولو باختصار ببعض نواحي اكتشافات كيبلر، وهي أمور تناولناها بالتفصيل في دروس ومناقشات تربوية سابقة.
بالنسبة لكيبلر، مثل كل البشر من قبله و من بعده، يتم رصد تحرك الكواكب في منظومتنا الشمسية والنجوم التي وراءها بشكل غير مباشر فقط وتقاس كمواضع على السطح الداخلي لكرة سماوية. حين تخط هذه الأرصاد بالتزامن على كرة فإنها تنتج شبكة متشابكة من الأقواس الدائرية. من هذا الخليط، يستنتج الإنسان بعد التأمل والتفكير فيه، أن الحركات المعروضة بهذا الشكل تبدو غير منتظمة. فكيف يتمكن الإنسان من فك اشتباك هذه الأقواس والمنحنيات ويبني دالة يكون هذا الخليط إسقاطا لها؟
يوجد ضمن هذه الإسقاطات مجموعة من المواضع الفريدة (فرائد singularities ) مثل النقاط التي تمثل المكان الذي تغير فيه حركة الكواكب اتجاهها، أو النقاط التي تمثل المواضع التي تتغير فيها حركة الكوكب من كونها متسارعة بشكل متزايد إلى متباطئة بشكل متزايد، أو النقاط التي تمثل مكان وصول الكوكب إلى الانحراف الأقصى أو الأدنى عن فلك البروج، أو النقاط التي تبدو فيها المدارات المسقطة للكواكب المختلفة وكأنها تتقاطع. إذا قام الباحث بالعمل بشكل رجعي فإن العلاقة ما بين هذه الفرائد ستعطيه القدرة على بناء الدالة التي ستعطي النتيجة المرصودة.
مثلما يكتب كيبلر في كتابه "علم الفلك الجديد" ( New Astronomy ):
" تؤكد شهادة العصور أن حركة الكواكب مدارية. وفقا للتجربة يفترض العقل أن دوراتها هي دوائر كاملة. فالمعتقد هو أن الأكثر كمالا من بين الأشكال هي الدائرة والأكثر كمالا بين الأجسام هي السماوات. لكن حين تبدو التجربة وكأنها تريد أن تعلمنا شيئا مختلفا، خاصة لأولئك الذين يتمعنون في النظر والتفكر، أي أن الكواكب تنحرف عن مسار دائري بسيط، فإن ذلك سيثير إحساسا قويا بالتعجب الذي يدفع البشر بعد حين إلى النظر في الأسباب."
"هذا هو بالذات الأمر الذي أدى إلى أن ينشأ علم الفلك بين بني البشر. ينظر إلى هدف علم الفلك على أنه كشف سبب عدم انتظام حركة النجوم كما يراها الناس من الأرض برغم أنها منظمة بشكل حسن جدا في السماء، وكذلك من أجل البحث في الدوائر التي تتحرك النجوم فيها بحيث يمكن توقع مواقعها ووقت ظهورها في أي وقت كان."
[ نهاية الاقتباس من كتاب كيبلر]
حاول كل من بطليموس وتايكو براهي وكوبرنيكوس بناء دالة حين يتم إسقاطها على كرة فإنها تعطينا خليطا من المنحنيات مقاربا للحركات المرصودة للكواكب. كل واحد من هؤلاء أنتج دالة، (انظر الشكل: النماذج الفلكية الثلاثة للمجموعة الشمسية حسب كل واحد من هؤلاء) وكل منها كان مختلفا كل الاختلاف عن الدالات الأخرى. كل التقريبات الثلاثة كانت متساوية مع الأخريات إلى "مقدار عرض شعرة" تقريبا، لكنها مع ذلك اختلفت عن الأرصاد التاريخية وفي قدراتها على توقع الأرصاد المستقبلية بنسبة صغيرة لكن قابلة للقياس. مع ذلك لم تكن هناك طريقة لتمييز أيها كان صحيحا، أو لماذا لم يكن ممكنا بناء عدد لامتناهي من الدالات الأخرى التي توفر مقاربة جيدة للأرصاد.
قام كيبلر في سعيه إلى بناء الدالة المطلوبة برفض الطرق الرياضية لسابقيه، حيث قال: "في حين قام كوبرنيكوس بعمل ذلك بالطرق الرياضية، كانت طريقتي فيزيائية أو بالأحرى ميتافيزيائية ( metaphysical )".
على الدالة المطلوبة أن لا تهتم ببساطة بالمظاهر، بل عليها أيضا أن تهتم بالحركة الفيزيائية للكوكب، مما تطلب البحث في سبب حركة الكوكب. يقول كيبلر:
" الآن على الكوكب أن يؤدي مسارا دائريا كاملا عبر الأثير الصافي بفعل قوته الذاتية فحسب، حركة دويرية مركزية ( epicyclic ) في النموذج الأول (حسب نموذج بطليموس الذي يضع الأرض في مركز المجموعة الشمسية والكواكب تدور في حلقات حول مداراتها التي تدور حول الأرض أيضا / المترجم) ودائرية لامركزية في الثاني (نموذج كوبرنيكوس الذي يضع الشمس في مركز المجموعة لكن الأرض والكواكب تدور حولها في دوائر كاملة / المترجم). من هذا يتضح أن على المحرك تنفيذ عملين: يجب أن يكون لديه قابلية قوية بما يكفي لتحريك جسمه من مكان لآخر، وثانيا أن يكون لديه ما يكفي من المعرفة لإيجاد حد دائري في الأثير الصافي لا يكون بدوره مقسما إلى أقسام كهذه (نظرية بطليموس حول وجود أقسام تشبه الزجاج تدور الكواكب فيها كل على حدة / المترجم) . هذه هي وظيفة العقل".
[ نهاية مقولة كيبلر]
ما هي طبيعة هذا "العقل"، وكيف يمكن اكتشافه؟: "الله، مثل أحد مهندسينا، تعامل مع مهمة بناء الكون بالنظام والمثال، ووضع الأجزاء الفردية على هذا الأساس، وكأن الفن لم يكن هو الذي يقلد الطبيعة، بل الله ذاته نظر إلى طريقة الإنسان في البناء، الإنسان الذي سيكون."
الدالة التي بناها كيبلر، لم تكن بناءا منطقيا شكليا، بل فكرة مجازية، باستخدام الهندسة والكلمات والأرقام كمرآة تعكس خصائص "العقل" للعقل. إن الدالة المرجوة لا يمكن وضعها في صيغة رياضية شكلية بسيطة، بل فقط عبر شرحها بالتفصيل، وهو ما موجود في متن جميع أعمال كيبلر المطولة. يمكن اختصار بعض المبادئ المميزة لهذه الدالة كالتالي: الدافع المحرك للمجموعة الشمسية موجود في الشمس، التي هي في سكون. تأثير الدافع المحرك في الشمس يتضاءل كلما ازدادت المسافة بين الشمس والكواكب. مدارات الكواكب مرتبة وفقا للأجسام الأفلاطونية الخمسة. يتنوع بعد الكوكب عن الشمس أثناء حركته في مداره، منتجا بذلك حركة منتظمة لكن غير ثابتة وهو ما ينعكس في النسبة الثابتة بين المساحة التي يغطيها الكوكب أثناء حركته وبين الوقت المنقضي أثناء ذلك الفاصل. شكل المدارات التي تنتج عن هذه الحركة هو القطع الناقص (الاهليلج) وجميع هذه المدارات تتقاطع عند الشمس. جميع المدارات الكوكبية محددة بالعلاقة التالية حيث يساوي مربع الزمن الكلي لدورة مدارية حول الشمس مكعب متوسط المسافة بين الكوكب والشمس. وتتطابق نسب السرعة الزاوية بين الكواكب مع فواصل موسيقية فريدة.
الظروف المذكورة أعلاه هي مجرد بعض الخصائص التي تحددها الدالة المطلوبة التي تميز حركات المجموعة الشمسية. إن الطبيعة الكلية للدالة هي التي تحدد كل خاصية من الخاصيات الفردية. تكمن المفارقة في أننا نعرف طبيعة الدالة عن طريق الخصائص، لكن مع ذلك لا نستطيع أن نكتشف الخصائص بدون أن يكون لدينا مفهوم للدالة.
في الأسبوع القادم سوف نتتبع نشوء هذا الأمر عن قرب، لكن لكي نكمل هجومنا الجدلي الذي بدأنا به هذه الحلقة، نورد النسخة التي خلقتها الطبقة الأولجاركية الحاكمة للمغفلين: أولا، تخلص من الأجسام الأفلاطونية والفواصل المتناغمة. اختزل ما يتبقى إلى ثلاثة تعابير رياضية بسيطة وسمها "قوانين كيبلر". ثم اختزل هذه التعابير الثلاثة مجددا إلى تعبير رياضي واحد بسيط يسمى "قانون التربيع العكسي". ثم قم بتأجير شخص مصاب بلوثة نفسية يعمل بالسحر والشعوذة اسمه إسحاق نيوتن ليؤلف كتاب "الكون للمغفلين". ثم قم بتأجير ثلة من الأكاديميين الأكثر انحطاطا ليؤلفوا نسخة جديدة من الكتاب بعنوان "الكون للمغفلين بامتياز" وقم ببيعه ككتاب مدرسي وانشره على صفحات الانترنيت.
إن من التعليقات الصحية المفيدة على هذا النوع من الطرق العلمية هو ما يرويه الكاتب الفرنسي الساخر رابليه، حيث يرد الحوار التالي في قصته عن جارجانتوا:
سأل جارجانتوا: "لماذا يا ترى يمتلك القس جون مثل هذا الأنف الجميل؟"
فأجابه جراندجوسير: "هذه مشيئة الله، فهو يخلقنا في مثل هذه الأشكال ولمثل هذه الأقدار بما يرضي إرادته المقدسة، مثلما يصنع الخزاف أوانيه."
وأجاب بونوكراتيس: "لأنه (أي القس جون) كان أول من حضر سوق الأنوف. لذلك اختار أحد أجمل الأنوف وأكبرها."
"هراء، محض هراء" قال القس، "وفقا لطريقة التفكير الرهبانية الحقيقية، السبب هو أن مرضعتي كان لها ثديان لينان. عندما كانت ترضعني، كان أنفي يغوص في ثديها كما يغوص في الزبدة، وهناك انتفخ ونما أنفي كما ينمو العجين في طست العجن. الأثداء الصلبة تعطي الطفل أنفا أفطسا. لكن تعالوا، تعالوا نصلي: من شكل أنفه ستعرفونه، إلهي رفعت إليك نظري."