Riemann for Anti-Dummies Part 2
ريمان لغير المغفلين
جزء 2
إعداد: بروس دايريكتر
"لا تخبرني عن ماهية بناء الكون"، يتشكى أحد أسلاف جيل البيبي بومرز من بداية القرن السابع عشر، "كل ما أحتاج لمعرفته هو متى يكون المريخ عند برج الأسد، ومتى يكون زحل مقابلا للشمس والمشتري متصافا مع القمر. الجيوش تحتشد، ومصادر معلوماتي الموثوقة أخبرتني أن الحرب ستبدأ عندما تكون النجوم في هذه الهيئة. حينما تحتشد الجيوش، أكسب أنا المال من التجارة بالخمر والقمار والمومسات. أنا أحقق ربحا طائلا من كل هذه الأشياء. لكن حالما يبدأ القتال، يصبح من الصعب المضاربة. أنا بحاجة لأن أعرف ذلك الآن، ماذا تخبئ النجوم. اشتري برخص وبع بغلاء، كما يقال. الأفضل لي هو أن أخبر الآخرين بأن عليهم أن يبيعوا الآن. لكن ذلك سينجح فقط إذا اعتقدوا أن المعلومات التي لدي لا يتوفرون عليها."
يجيبه الرجل المسن بعد تأني: "يا بني، عليك أن تكون إنسانا أولا حتى تفهم هذه الأمور".
ربما لم يقابل يوهانيس كيبلر شخصا بمثل هذه الفضاضة. لكن لا بد أنه قابل أمرا قريبا من ذلك، لأنه يقول:
"مع ذلك، وللأسف، أنظر كيف يسلب البشر الفانون الخيرات العظيمة من أحدهم الآخر بسبب رغبتهم المخزية في التناحر. كيف يلفهم جهل عارم بأقدارهم مثلما يستحقون. بأي شذوذ مقزز نهرب إلى وسط ألسنة اللهب هربا من النار." هكذا كتب كيبلر في عام 1621 بعد ثلاثة أعوام من اندلاع حرب الثلاثين عام.
"هل من الممكن حتى في هذه اللحظة الآن، بعد انقلاب الأمور في النمسا، أن يوجد مكان لمقولة أفلاطون التنبؤية. إذ حينما كانت اليونان تحترق من كل الجهات بلهيب حرب أهلية طويلة وتنهشها جميع الويلات التي تأتي عادة مع الحروب الأهلية، سئل أفلاطون عن رؤيته لحل "إحجية ديلية" ( Delian Riddle )، وكان أفلاطون يبحث عن حجة ليعطيهم نصيحة مفيدة. بعد برهة طويلة أجابهم أفلاطون، بأنه وفقا لرأي الإله أبولو، ستكون اليونان بلدا آمنا مطمئنا إذا توجه اليونانيون إلى الدراسات الهندسية والفلسفية، لأن هذه الدراسات ستقود نفوسهم بعيدا عن الجشع وغيره من المطامع التي تنتج عنها الحروب والشرور، وترشدهم إلى حب السلام والاعتدال في كل الأمور".
هكذا كانت مقدمة كيبلر للطبعة الثانية لكتابه "سرّ الكون" ( Mysterium Cosmographicum ) التي نشرت بعد 25 عام من صدور الطبعة الأولى للكتاب عام 1595. تميزت الفترة ما بين الطبعتين بتصاعد حدة الحروب الدينية في أوربا والتي كانت تديرها وتحرض عليها مدينة البندقية وزمرها الحاكمة. تلك الحروب كانت مستمرة منذ عام 1513، وترافقت مع بروز وانتشار مختلق للإيمان بالخرافات والسحر، الذي رأى كيبلر نفسه أمه وهي تقع ضحية لها في محاكمة للساحرات. في تلك الأثناء وسّع كيبلر الاكتشافات التي أدرجها في كتابه، مفسرا المبادئ التي تقوم عليها الحركات في المجموعة الشمسية، وجامعا هذه المبادئ كلها في دالة موحدة من النوع الذي وصفه كارل فريدريش غاوس بعد 200 عام بوصف دالة "فوقهندسية" ( hypergeometric ).
ذكر كيبلر في كتابه "تلخيص علم فلك كوبيرنيكوس" ( Epitome of Copernican Astronomy ) أن "لعلم الفلك هدفان: حفظ الهيئة، والتأمل في البناء الحقيقي للعالم". بالنسبة لكيبلر تكون المبادئ الضرورية للهدف الأخير كافية لإرضاء الأول. لقد بذلت الجهود وأجريت المحاولات العديدة قبل كيبلر لحفظ الهيئة، لكن ثبت فشلها وقصورها جميعا. فجميعها كانت تعاني من عيب مشترك، ليس في مدى تعقيد تركيباتها الهندسية، بل في نيتها المؤسسة لها، وهي التوقع ببساطة وليس المعرفة.
لكي يعرف الإنسان، عوضا عن مجرد التوقع ببساطة، يتطلب الأمر "الدراسة التي تكشف أسباب الأشياء وتطيح بأضاليل الرؤية العينية وتحمل العقل أعلى وأبعد خارج حدود الرؤية العينية. على هذا، لا ينبغي أن يندهش المرء من القول بأن على العين أن تتعلم من العقل، أن على التلميذ أن يتعلم شيئا جديدا من أستاذه لم يكن يعرفه من قبل..."، حسبما كتب كيبلر في كتاب "التلخيص".
إن نوع الدالة "الفوقهندسية" التي وضعها كيبلر هي، على هذا الاساس، مكونة من جملة من المحددات الفيزيائية، التي إذا جمعناها في "واحد"، فإنها تسمح فقط بحدوث تلك الحركات التي تحدث فيزيائيا. كل محددة من المحددات هي بذاتها دالة، نوع من الحالات الخاصة للدالة المعممة "الفوقهندسية" التي تميز تنظيم المجموعة الشمسية.
من الأمثلة البارزة على ذلك هي مناقشة كيبلر للمحددات المختصة بعدد الكواكب، كما يذكر ذلك في كتابه "التلخيص":
"هذا القلق تمت إزالته، بعون الله، بشكل ليس بالسيئ. إن الأسباب الهندسية متزامنة في الأبدية ( co-eternal with God ) مع الله – وفيها أولا الفرق بين الخط المنحني والخط المستقيم. قيل أعلاه (في الكتاب الأول) أن الخط المنحني فيه شبه من نوع ما بالخالق، أما الخط المستقيم فإنه يمثل المخلوقات. ففي أول خطوة لتزيين العالم تم جعل أبعد إقليم للنجوم الثابتة كرويا في هيئة الخالق تلك، لأن الله المتجسد -- الذي كان يعبده الوثنيون باسم المشتري -- كان ينبغي أن يحتوي جميع الأشياء الأخرى في ذاته. على هذا الأساس، كانت المقادير المستقيمة مختصة بالمحتويات الداخلية جدا للكرة الأبعد، وأول وأجمل المقادير مختصة بالمحتويات الأولى. لكن من بين المقادير المستقيمة كانت أولاها وأكثرها كمالا وأجملها وأبسطها هي تلك التي تسمى المجسمات المنتظمة الخمسة. قبل أكثر من ألفي عام قال الفيثاغوريون أن هذه المجسمات الخمسة كانت أشكال العالم، إذ كانوا يعتقدون أن العناصر الأربعة والسماء -- الجوهر الخامس -- كانت مرتبطة بالعناصر الأصلية لهذه الأشكال الخمسة".
المجسمات الخمسة المنتظمة

"لكن السبب الحقيقي لهذه الأشكال التي يحتوي أحدها الآخر بعضا داخل بعض هو لكي تطابق هذه الأشكال الخمسة الفواصل بين الكرات. لذلك، إذا وجدت خمسة فواصل كروية، فبالضرورة سيكون هناك ستة كرات، مثلما هي الحال مع أربعة فواصل مستقيمة لا بد أن هناك بالضرورة خمسة أرقام".
فواصل كيبلر

هكذا يكون الحد الذي يحدد عدد الكواكب والحجم العام لمداراتها حالة خاصة لدالة "فوقهندسية"، يعكس (أي الحد) عدم إمكانية قياس (incommensurability) المستقيم بالمنحني. كما وضحنا في مناقشات تعليمية سابقة، توجد خصائص مختلفة للحركة على سطح مستوي (مستقيم) وسطح كروي. المجسمات الأفلاطونية الخمسة تمثل جميع التقسيمات المتساوية الممكنة للكرة، بينما يسمح السطح المستوي بمجموعة مختلفة كليا من التقسيمات. علاوة على ذلك، تكون دورية ( perdiodicity ) السطح المستوي المميزة رباعية بينما الدورية التي تميز السطح الكروي هي خماسية (كما أظهر ذلك نابير ( Napier ) وهو من معاصري كيبلر في دراسته حول المخمس الكروي pentagramma mirificum ). إن العلاقة ما بين هذه المفارقة الهندسية والطبيعة الفيزيائية للنظام الشمسي، هي دليل على أن الدالة "الفوقهندسية" التي تنظم النظام الشمسي هي منحنية، أي لاإقليديسية.
مع ذلك يكون الفعل الكروي لوحده غير كافي لتعليل الحركة الكوكبية. فبينما إجمالي الوقت الدوري لكل مدار كوكبي يبقى ثابتا، "لكنه مع ذلك ذي سرعة غير منتظمة في أجزائه ويجعل الكوكب في جزء مثبت في دورته ينحرف نوعا ما مبتعدا عن الشمس وفي الجزء المعاكس من مداره يقترب جدا من الشمس. وهكذا كلما ابتعد الكوكب عن الشمس كلما قلت سرعته، وكلما اقترب منها ازدادت سرعته... لأن علم الفلك يشهد بأنه إذا استخدمنا عقلنا لنزيل جميع مخادعات البصر عن ذلك المظهر المرتبك للحركة الكوكبية، فإن ما يبقى للكوكب هي دورة من نوع تكون فيه سرعة في أجزائه المختلفة، التي هي متساوية حقا، سرعة غير منتظمة... إذا عومل علم الفلك بحدة الذهن الصحيحة فإنه سيكشف لنا في هذه الحالة أن مسارات أو دورات الكواكب غير مرتبة بالضبط في هيئة دوائر كاملة بل قطوع ناقصة (إهليلج)".
هذه المحددات الفيزيائية التي تحكم الحركة غير المنتظمة للكواكب، هي أيضا حالة خاصة من تلك الدالة "الفوقهندسية" المعممة نفسها التي واجهناها سابقا. فكما هي الحال في المحددات المنعكسة في المجسمات الأفلاطونية، فإن الاختلاف ما بين المستقيم والمنحني منعكسة هنا أيضا. ففي حين أن حركة الكوكب في مداره في تغير مستمر، إلا أن النسبة بين المساحة التي يمسحها خط يربط بين الكوكب والشمس لنسبة الوقت المقطوع ثابتة دائما. بنفس الشكل، وبالرغم من أن أحجام المدارات الكوكبية والدورات الزمنية تختلف من كوكب إلى آخر، إلا أن النسبة بين مربع الزمن ومكعب متوسط المسافة من الشمس هي نفس النسبة لجميع الكواكب. هكذا، فإن هذين اللذين يسميان قانوني كيبلر الثاني والثالث هما حالتان خاصتان للدالة "فوق الهندسية" التي تحكم حركة الكواكب. أولى هاتين النسبتين هي نسبة ثابتة ضمن كل مدار، والأخرى بين المدارات. (عولجت هذه القضايا بالتفصيل في الفصول الخامس والسادس والسابع من مقالة صدرت في مجلة فيديليو ( Fidelio ) حول كيفية قيام كارل فريدريش غاوس بتحديد مسار الكويكب سيريس، وستكون هذه القضايا نقطة الانطلاق للتحقيقات المستقبلية).
بنفس الطريقة، تشكل العلاقات المتناسقة ( harmonic ) للسرعات الزاوٍيّة القصوى للكواكب المتجاورة، التي تقابل الفواصل الموسيقية، هي الأخرى حالة خاصة لهذه الدالة "الفوقهندسية" المعممة.
لكن يشتكي سلف ابن جيل بيبي بومرز مجددا ويقول: "لكن جاليليو بسط الأمر غاية التبسيط. وأنا أحب طريقته أكثر."
بالتأكيد واجه كيبلر هذه المشكلة أيضا، لأنه يقول: "فيما يخص الأكاديميات فإنها مؤسسة من أجل تقنين دارسات التلاميذ ويهمها أن لا يحصل تغيير في برنامج التعليم باستمرار. في مثل هذه الأماكن، ولأن القضية هي قضية تقدم التلاميذ، فإن ما يحصل عادة هو أن الأشياء التي يتم اختيارها هي ليست تلك التي أقرب إلى الحقيقة بل تلك التي تعتبر الأسهل."
***